محمد بن ابراهيم النفزي الرندي
79
غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية
الوارد عبارة عمّا يرد على القلب عن المعارف الربانية واللطائف الروحانية ليطهره بذلك ويزكّيه حتى يصلح بذلك للورود عليه والدخول إلى حضرته ؛ لأن الحضرة منزّهة عن كل قلب متكدّر بالآثار متلوّث بأقذار الأغيار ، فإذن إنما أورده عليك لتكون به عليه واردا . أورد عليك الوارد ليتسلمك من يد الأغيار ، وليحررك من رق الآثار . الآثار والأغيار غاصبة ومسترقة لك ، وذلك لوجود حبك لها وسكونك إليها ، واعتمادك عليها ، فإنما أورد عليك الوارد ليتسلمك من يد من غصبك ، وليحررك من ملكية من استرقّك ، والإشارة إلى هذا المعنى بما ضرب اللّه تعالى من المثل للكافر في قوله : ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَماً لِرَجُلٍ ، هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلًا [ الزمر : 29 ] فمن سلم من يد الأغيار ، وحرّر من رق الآثار لا يكون لمخلوق فيه نصيب ولا شركة ، وكان سلما « 1 » للّه عزّ وجلّ . أورد عليك الوارد ليخرجك من سجن وجودك إلى فضاء شهودك . سجن وجوده هو : شهوده لنفسه ومراعاته لحظّه ، وفضاء شهوده : أن يغيب عن ذلك بشهوده عظمة اللّه تعالى وجلاله ورؤية قيام حركاته وسكناته به ، قال أبو القاسم النصراباذي « 2 » ، رضي اللّه تعالى عنه : « سجنك نفسك إذا خرجت منها وقعت في راحة الأبد » وسيأتي من كلام المؤلف في معنى قوله : سجن وجودك ( الكائن في الكون ولم تفتح له ميادين الغيوب مسجون بمحيطاته ومحصور في هيكل ذاته ) . الأنوار مطايا القلوب والأسرار . أنوار الإيمان واليقين مطايا حاملة لأسرار القلوب إلى حضرة علّام الغيوب ، وتلك هي الواردات المذكورات . النور جند القلب ، كما أن الظلمة جند النفس ، فإذا أراد اللّه أن ينصر عبده أمده بجنود الأنوار وقطع عنه مدد الظلم والأغيار . نور التوحيد واليقين ، وظلمة الشرك والشكّ جندان للقلب والنفس ، والحرب
--> ( 1 ) السّلم : الاستسلام والخضوع . ( 2 ) هو أبو القاسم إبراهيم بن محمد النصر آباذي ( توفي 369 ه / 979 م ) شيخ خراسان في وقته ، صحب دلف الشبلي وأبا علي الروذباري والمرتعش ، وجاور بمكة المكرمة حرسها اللّه تعالى ، وكان عالما بالحديث كثير الرواية . ( الرسالة القشيرية ص 437 - 438 ) .